السودان.. الحرب تخرج 37% من المرافق الصحية عن الخدمة
السودان يواجه انهيارًا متسارعًا في قطاعه الصحي بعد أكثر من 3 سنوات من الحرب، مع خروج أكثر من ثلث المرافق الصحية عن الخدمة. وفي الوقت نفسه، كشفت منظمة الصحة العالمية عن مئات الهجمات على الرعاية الصحية عالميًا منذ بداية 2026، بينما يفتقر نحو 21 مليون سوداني إلى الخدمات الطبية التي يحتاجون إليها.
أكثر من ثلث المرافق الصحية خارج الخدمة
أفادت منظمة الصحة العالمية بأن 37% من المرافق الصحية في ولايات السودان الـ18 أصبحت خارج الخدمة.
ويرتبط ذلك بالقصف وتدمير المنشآت ونقص الأدوية والمعدات والكوادر الطبية. كما أدى انقطاع الكهرباء والمياه وتعطل سلاسل الإمداد إلى تعميق الأزمة.
وتظهر آثار الانهيار بصورة أكبر في دارفور وكردفان. ففي مناطق القتال، أغلقت مستشفيات أبوابها بالكامل، بينما تعمل منشآت أخرى بقدرات محدودة وفي ظروف بالغة الخطورة.
217 اعتداءً موثقًا على الرعاية الصحية
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تحققت منظمة الصحة العالمية من 217 اعتداءً على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها بالسودان.
وأسفرت هذه الاعتداءات عن مقتل 2052 شخصًا وإصابة 810 آخرين، وفق أحدث حصيلة تفصيلية للمنظمة.
لكن الأرقام قد تكون أعلى، بسبب صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وانقطاع الاتصالات وتعذر التحقق من جميع الوقائع.
ملايين السودانيين محرومون من العلاج
تقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو 21 مليون شخص في السودان لا يحصلون على الخدمات الصحية التي يحتاجون إليها.
ويحتاج نحو 34 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه أكثر من 4 ملايين شخص خطر سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.
بالإضافة إلى ذلك، سجلت ولايات سودانية تفشي الملاريا وحمى الضنك والحصبة وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي والتهاب السحايا والدفتيريا.
وفي الوقت نفسه، يؤدي نقص المياه النظيفة وتدهور شبكات الصرف الصحي والاكتظاظ في مخيمات النزوح إلى تسريع انتشار الأمراض، خصوصًا الكوليرا.
المستشفيات في مرمى القصف
برزت مستشفيات دارفور وكردفان بين أكثر المنشآت الصحية تعرضًا للخطر.
وفي مارس الماضي، أدى قصف جوي على مستشفى الضعين التعليمي في شرق دارفور إلى مقتل عشرات الأشخاص، بينهم أطفال وعاملون صحيون، وأخرج المستشفى من الخدمة.
وكان المستشفى يقدم خدمات أساسية لمئات الآلاف في شرق دارفور والمناطق المجاورة.
لذلك، لم تقتصر تداعيات الهجوم على الضحايا المباشرين، بل امتدت إلى المرضى الذين فقدوا خدمات الطوارئ والجراحة ورعاية النساء والأطفال.
أزمات صحية تتجاوز القصف
تعرضت منشآت صحية في كردفان أيضًا لأضرار، بالتزامن مع تصاعد القتال والهجمات بالطائرات المسيّرة.
وفي مناطق أخرى، توقفت المراكز الطبية بسبب نفاد الأدوية أو انسحاب المنظمات التي كانت تمول تشغيلها.
وفي شعيرية بشرق دارفور، توقف قسم الولادة والصيدلية في مركز يخدم أكثر من 5 آلاف شخص. كما يعمل المختبر بقدرات محدودة وسط نقص حاد في المستلزمات.
أما في طويلة بشمال دارفور، فقد ساهم الاكتظاظ ونقص المياه الآمنة وتدهور الصرف الصحي في انتشار الكوليرا وأمراض معدية أخرى.
انهيار منظومة الرعاية الصحية
لا تقتصر الأزمة على تدمير المباني الطبية. فقد أدت الحرب أيضًا إلى هجرة أعداد كبيرة من الأطباء والممرضين وتعطل الإمدادات.
كما أصبحت عملية نقل الأدوية واللقاحات والوقود بين الولايات أكثر صعوبة.
وفي المقابل، تسبب انقطاع الكهرباء في تعطيل أجهزة العناية المركزة والمختبرات وأنظمة حفظ الدم واللقاحات. وأدى نقص الوقود إلى عرقلة سيارات الإسعاف ومولدات المستشفيات.
لذلك، تعتمد منشآت عديدة في المناطق المحاصرة على متطوعين وغرف طوارئ تعمل بإمكانات محدودة.
منظمة الصحة العالمية تكثف المساعدات
رغم صعوبة الوصول، تمكنت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها من إيصال أكثر من 3300 طن من الأدوية والمستلزمات الطبية منذ اندلاع الحرب.
كما وفرت خدمات أساسية لأكثر من 4.1 مليون شخص.
ومع ذلك، لا تزال الاحتياجات أكبر بكثير من حجم المساعدات المتاحة، خصوصًا مع استمرار القتال ونقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
اعتداءات عالمية على الرعاية الصحية
لا تقتصر الهجمات على السودان وحده. فقد سجلت منظمة الصحة العالمية منذ بداية 2026 أكثر من 900 اعتداء على مرافق الرعاية الصحية والعاملين فيها حول العالم.
وأسفرت هذه الاعتداءات عن مقتل ما لا يقل عن 900 شخص وإصابة أكثر من 1400 آخرين.
كما وثقت المنظمة احتجاز 94 عاملًا صحيًا منذ بداية العام، في مؤشر على اتساع المخاطر التي تواجه القطاع الطبي في مناطق النزاعات.
القانون الدولي يحظر استهداف المنشآت الطبية
يحظر القانون الدولي الإنساني استهداف المستشفيات والعاملين الصحيين والمرضى وسيارات الإسعاف.
كما يلزم أطراف النزاعات بحماية المرافق الطبية وتسهيل وصول العاملين والإمدادات إليها.
لكن غياب المحاسبة يشجع على تكرار الاعتداءات، وفق تحذيرات منظمة الصحة العالمية.
الحرب تقتل مرتين
تكشف الأزمة الصحية في السودان أن آثار الحرب لا تتوقف عند القصف والاشتباكات.
فإغلاق مستشفى أو فقدان طبيب أو انقطاع دواء قد يؤدي إلى وفاة كان يمكن تفاديها. كما يؤدي توقف التطعيم والجراحة وعلاج الأمراض المزمنة إلى خسائر صحية تمتد لسنوات.
وفي الختام، أصبح انهيار النظام الصحي أحد أخطر نتائج الحرب السودانية. ومع استمرار القتال، تتسع دائرة الحرمان من العلاج، بينما يدفع المدنيون والمرضى والعاملون الصحيون الثمن الأكبر.



