هل المجتمع يعالجنا نفسيًا؟ أم قد يكون جزءًا من المشكلة؟
بقلم:أحمد بلال كرمانى
عندما يُصاب شخص بمرض ما مثل: السكر أو ارتفاع ضغط الدم أو أحد أمراض القلب، غالبًا ما تكون استجابتنا واضحة، فندعو له بالشفاء، ونشجعه على زيارة الطبيب والالتزام بالعلاج، ونحاول مساعدته على التعامل مع مرضه. ونادرًا ما ننظر إلى المرض الجسدي باعتباره عيبًا في شخصية صاحبه أو دليلًا على ضعفه.
ولكن عندما يتعلق الأمر بالصحة النفسية، تتغير الصورة تماماً. فقد يخبرك شخص ما بأنه يعاني من الاكتئاب أو القلق أو الضغوط التي يصعب التعامل معها، فتكون أول استجابة من حوله: «شد حيلك»، أو «إنت مكبر الموضوع»، أو «كل الناس عندها مشاكل». وقد يُنظر أحيانًا إلى طلبه للمساعدة النفسية باعتباره علامة على الضعف، أو يُفسَّر الألم النفسي على أنه نقص في الإيمان أو ضعف في الشخصية.
وهنا يستحق الأمر أن نتوقف قليلًا ونسأل: لماذا نتعامل مع المعاناة النفسية بطريقة مختلفة عن المعاناة الجسدية؟ ربما لأن الألم النفسي لا يظهر دائمًا أمام أعيننا كما تظهر الإصابة الجسدية، وربما بسبب نقص المعرفة بطبيعة الاضطرابات النفسية والعوامل التي تسهم فيها. لكن المشكلة أكبر من مجرد اختلاف في الفهم؛ لأن نظرة المجتمع إلى الصحة النفسية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، وفي استعداده لطلب المساعدة، وفي علاقاته، وفي قدرته على التعامل مع ما يمر به.
ويمكن القول بأن الصحة النفسية لا تعد شأنًا خاصاً بالطبيب أو الأخصائي النفسي وحدهما. فالإنسان يعيش داخل شبكة من العلاقات والبيئات التي تؤثر فيه باستمرار. الأسرة، والأصدقاء، والمدرسة، والعمل، والمجتمع؛ كلها يمكن أن تكون مصدرًا للأمان والدعم والانتماء، كما يمكن أن تصبح مصدرًا للضغط والرفض والوصمة والعزلة.
ولأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وعلاقاته بالآخرين ليست أمرًا هامشيًا في حياته. فإن الطريقة التي يعامله بها الآخرون، ومدى شعوره بأنه مقبول وله قيمة وسط المجتمع، وشعوره بوجود أشخاص يمكنه الاعتماد عليهم، كلها عوامل ترتبط بخبرته النفسية وقدرته على مواجهة الضغوط. فيمكن أن يحاط الشخص بعشرات الأشخاص ومع ذلك يشعر بالوحدة، بينما يشعر شخص آخر بالأمان داخل دائرة صغيرة من العلاقات. فالمهم ليس عدد العلاقات، وإنما طبيعتها وجودتها، ومدى شعور الإنسان بأنه يستطيع أن يكون نفسه دون خوف دائم من الرفض أو السخرية أو الحكم عليه. ومن هنا نفهم لماذا يمكن لكلمة دعم من شخص قريب أن تكون ذات قيمة كبيرة في لحظة أزمة، ولماذا يمكن لكلمة قاسية أو ساخرة أن تزيد من شعور الإنسان بالعجز والوحدة.
وبالنظر إلى دور المجتمع، فمن غير الدقيق أن نقول أن المجتمع هو سبب الاضطرابات النفسية، كما أنه من غير الدقيق أن نقول أنه يستطيع علاجها بمفرده. ولكن الأدق علميًا أن ننظر إلى البيئة الاجتماعية باعتبارها أحد العوامل التي قد تحمي الإنسان من بعض آثار الضغوط، أو تزيد من تعرضه لها. فالإنسان الذي يمر بأزمة ويجد حوله أشخاصًا يستمعون إليه ويحترمون مشاعره ويقدمون له الدعم العملي والانفعالي، قد يكون أكثر قدرة على التعامل مع الأزمة من شخص يواجه الظروف نفسها في بيئة يسودها اللوم والسخرية والرفض.
تخيل شخصين فقدا عملهما في الوقت نفسه. الأول يعود إلى أسرته فيجد من يقول له: «إحنا معاك، وإن شاء الله تلاقي فرصة تانية»، ويجد أصدقاء يساعدونه في البحث عن عمل. أما الثاني فيعود إلى بيئة يسمع فيها باستمرار: «إنت السبب»، و«إحنا قولنا لك»، و«عمرك ما هتنجح». فالأزمة واحدة، لكن التجربة النفسية ليست بالضرورة واحدة. وهذا لا يعني أن الدعم الاجتماعي يمنع الاكتئاب أو القلق أو غيرهما من الاضطرابات، كما لا يعني أن غياب الدعم يؤدي حتمًا إلى الإصابة بها. الصحة النفسية أكثر تعقيدًا من ذلك، فهي نتاج تفاعل بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متعددة.
في المجتمع غير الداعم للصحة النفسية لا يواجه الإنسان معاناته النفسية فقط، وإنما قد يواجه أيضًا الصورة التي يحملها المجتمع عن هذه المعاناة. والأكثر خطورة أن هذه النظرة قد تنتقل من الخارج إلى الداخل. فيبدأ الإنسان في الاعتقاد بأنه ضعيف لأنه يعاني، أو أنه أقل قيمة لأنه يحتاج إلى مساعدة، بدلًا من أن يرى أن طلب المساعدة يمكن أن يكون خطوة مسؤولة نحو التحسن. ولهذا فإن التعامل الصحيح مع الصحة النفسية لا يعني أن نهوّن من المشكلات أو نعتبر كل حزن اضطرابًا نفسيًا، وإنما يعني أن نمتلك قدرًا كافيًا من الوعي يسمح لنا بالتمييز بين المشاعر الإنسانية الطبيعية وبين الحالات التي تستدعي تقييمًا أو تدخلًا متخصصًا.
ربما لا نستطيع أن نبني مجتمعًا خاليًا من الضغوط والمشكلات النفسية، فهذا غير واقعي. ولكن يمكننا أن نبني مجتمعًا لا يضيف إلى معاناة الإنسان معاناة أخرى. مجتمعًا لا يجعل طلب المساعدة النفسية عيبًا. ولا يحول المرض النفسي إلى وصمة. ولا يسخر من الإنسان لأنه يبكي أو يعبر عن خوفه أو يمر بأزمة. ولا يقارن بين آلام الناس وكأن المعاناة مسابقة. وفي الوقت نفسه، لا يعني ذلك أن نتعامل مع كل مشكلة باعتبارها مرضًا نفسيًا، أو أن نضع المسؤولية كلها على المجتمع. فالتوازن مهم: نعترف بالمعاناة، ونحترم الإنسان، ونشجعه على تحمل مسؤوليته، ونوجهه إلى المساعدة المتخصصة عندما تكون ضرورية.
في النهاية، المجتمع لا يعالج الاضطرابات النفسية بالمعنى الطبي، لكنه يستطيع أن يؤثر في الطريق الذي يسلكه الإنسان نحو التعافي. فقد يجعل هذا الطريق أكثر سهولة عندما يوفر الدعم والقبول ويقلل الوصمة، وقد يجعله أكثر صعوبة عندما يسخر من المعاناة ويقلل منها ويخيف الإنسان من طلب المساعدة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل المجتمع بيعالجنا نفسيًا؟
ولكن: لما الإنسان بيتألم… إحنا بنساعده، ولا بنزود ألمه؟
إقرأ أيضا:
أسعار الذهب اليوم في مصر الأحد 16 أغسطس 2026.. تحديث جديد مع بداية التعاملات



