روسيا تُسرّع الاستيلاء على الشركات.. حملة التأميم الجديدة تُربك المستثمرين وتعيد رسم خريطة الاقتصاد

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد روسيا موجة متسارعة من عمليات التأميم والاستحواذ على أصول وشركات خاصة، في تطور يعكس تحولًا عميقًا في السياسة الاقتصادية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. ويأتي هذا المسار في وقت تسعى فيه موسكو إلى إرسال رسائل انفتاح تجاه بعض الشركات الأجنبية، مستفيدة من الحديث عن احتمال تحسن العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى واقع مختلف، يتمثل في توسيع نفوذ الدولة على قطاعات استراتيجية وإعادة توزيع الأصول بين جهات مقربة من السلطة. ويُعد ملف مطار دوموديدوفو، ثاني أكبر مطارات موسكو، أحدث حلقات هذه السياسة، بعدما تحرك الادعاء العام للمطالبة بتأميمه، في قضية يرى مراقبون أنها تعكس تغيرًا جذريًا في بيئة الاستثمار داخل روسيا، وتثير تساؤلات واسعة حول مستقبل الملكية الخاصة وثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
مطار دوموديدوفو في قلب أكبر معركة على الأصول
بدأت الأزمة عندما تعرض رجل الأعمال الروسي دميتري كامينششيك لضغوط للتنازل عن ربع أسهم مطار دوموديدوفو لصالح الدولة، إلا أنه رفض هذا المقترح. وبعد فترة قصيرة، تقدمت النيابة العامة الروسية بطلب إلى المحكمة لتأميم المطار، مستندة إلى اتهامات تتعلق بحمل مالكيه جنسيات أجنبية وادعاءات بأنهما منحا جهات خارجية نفوذًا على أحد أهم المرافق الحيوية في البلاد. ولا تزال القضية تُنظر أمام القضاء في جلسات مغلقة، بينما ينفي المالكان جميع الاتهامات الموجهة إليهما.
حملة تأميم تتوسع منذ اندلاع الحرب
يشير التقرير إلى أن النيابة العامة الروسية فتحت منذ بداية الحرب في أوكرانيا عشرات القضايا ضد شركات روسية كبرى، مؤكدة أنها استعادت أصولًا تُقدَّر قيمتها بنحو تريليونات الروبلات لصالح الدولة. ولم تعد الحملة تقتصر على الشركات الصغيرة أو المستثمرين الذين غادروا روسيا، بل امتدت إلى شركات كبرى تعمل في قطاعات حيوية مثل التعدين، وتجارة السيارات، والخدمات اللوجستية، وتصدير الحبوب، وهو ما يعكس تحولًا واسع النطاق في هيكل الاقتصاد الروسي خلال السنوات الأخيرة.
المستفيدون من إعادة توزيع الأصول
بحسب التقرير، فإن عددًا من الشركات المرتبطة برجال أعمال مقربين من الكرملين أصبح من أبرز المستفيدين من عمليات المصادرة وإعادة توزيع الأصول. ويبرز في هذا السياق اسم الأخوين أركادي وبوريس روتنبرغ، اللذين تربطهما علاقة قديمة بالرئيس فلاديمير بوتين، حيث حصلت شركات مرتبطة بهما على عدد من الأصول التي انتقلت إلى الدولة قبل إعادة بيعها. كما يرى بعض المطلعين أن آلية “التأميم الناعم” أصبحت نموذجًا يُستخدم لإعادة توجيه ملكية الشركات إلى جهات تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي داخل روسيا.
رسائل متناقضة للمستثمرين الأجانب
في الوقت الذي تُبدي فيه موسكو استعدادًا لاستقبال استثمارات أجنبية جديدة وتؤكد رغبتها في عودة بعض الشركات الغربية، يرسل استمرار حملات التأميم رسالة معاكسة إلى الأسواق الدولية. ويشير التقرير إلى أن لقاءات جمعت مسؤولين روسًا بممثلين عن شركات أمريكية عاملة في روسيا جاءت بالتزامن مع تصاعد عمليات المصادرة، الأمر الذي يثير مخاوف المستثمرين من غياب الضمانات القانونية الكافية لحماية الأصول، خاصة في ظل إمكانية استخدام القضاء كأداة لإعادة توزيع الملكية.
بوتين والحرب… والاقتصاد في المرتبة الثانية
وينقل التقرير عن رجال أعمال ومسؤولين سابقين أن تركيز الرئيس الروسي ينصب بصورة أساسية على الحرب في أوكرانيا والملفات الجيوسياسية، بينما تُترك الملفات الاقتصادية بدرجة أكبر لمؤسسات الدولة والأجهزة المختلفة، ما أتاح مساحة أوسع لصراعات النفوذ داخل النخبة الروسية. كما يوضح أن محاولة مقربين من مالكي مطار دوموديدوفو عرض القضية مباشرة على بوتين أدت إلى تباطؤ الإجراءات مؤقتًا، بعد أن أبدى الرئيس دهشته من بعض المعلومات المتعلقة بالقضية، إلا أن ذلك لم يؤد إلى إنهاء النزاع بشكل نهائي.
بيئة استثمارية أكثر اضطرابًا
يرى التقرير أن التطورات الأخيرة تمثل نقطة تحول في الاقتصاد الروسي، إذ لم تعد الشركات الكبرى أو رجال الأعمال أصحاب العلاقات القوية بمنأى عن الملاحقات القانونية. كما أن توسع عمليات الاستحواذ الحكومية يعكس تصاعد المنافسة على الأصول داخل روسيا، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطًا ناجمة عن العقوبات الغربية واستمرار الحرب. ويعتبر كثير من المستثمرين أن هذه البيئة تزيد من حالة عدم اليقين، وتجعل قرارات الاستثمار أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
ماذا يعني هذا الحدث؟
تشير حملة التأميم الروسية إلى تحول واضح في علاقة الدولة بالقطاع الخاص، حيث أصبحت السيطرة على الأصول الاستراتيجية أولوية تتقدم على اعتبارات جذب الاستثمار. كما يعكس ذلك رغبة موسكو في تعزيز نفوذها الاقتصادي خلال فترة الحرب، مع إعادة توزيع الثروة بين جهات أكثر قربًا من مؤسسات الدولة.
وعلى المستوى الدولي، قد يؤدي هذا المسار إلى زيادة تحفظ الشركات الأجنبية تجاه العودة إلى السوق الروسية، حتى في حال تحسن العلاقات السياسية، بسبب المخاوف المرتبطة بحماية الملكية الخاصة واستقرار البيئة القانونية.
أما خلال الفترة المقبلة، فمن المرجح استمرار ملاحقة شركات إضافية تعمل في قطاعات استراتيجية، مع بقاء احتمالات التوسع في عمليات التأميم قائمة طالما استمرت الحرب والضغوط الاقتصادية، وهو ما قد يعيد رسم خريطة الاقتصاد الروسي بصورة غير مسبوقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي.
إقرأ أيضا:
الصين تعتبر اتفاق الاستثمار مع الاتحاد الأوروبي انتصارًا دبلوماسيًا وسط خلافاتها مع واشنطن



