ترامب يعيد فتح ملف جزر فوكلاند.. ورقة ضغط أمريكية تهدد العلاقة الخاصة مع بريطانيا
ترامب يعيد فتح ملف جزر فوكلاند..وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الجارديان، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن موقف الولايات المتحدة من سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند موجة جديدة من الجدل السياسي،
بعدما ألمح إلى أنه يعيد مراجعة موقف واشنطن من القضية التي تشكل واحدة من أكثر نقاط الخلاف حساسية بين بريطانيا والأرجنتين.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية على الحلفاء الأوروبيين لرفع الإنفاق الدفاعي وزيادة مساهماتهم في حلف شمال الأطلسي،
ما يفتح الباب أمام احتمال استخدام ملف فوكلاند كورقة تفاوضية في العلاقة بين واشنطن ولندن.
ورغم أن الموقف الأمريكي الرسمي ظل تاريخيًا أقرب إلى الحياد بشأن السيادة القانونية على الجزر،
فإن واشنطن تعترف عمليًا بالإدارة البريطانية لها،
الأمر الذي يجعل أي تغيير محتمل في السياسة الأمريكية ذا أبعاد سياسية ورمزية كبيرة،
خصوصًا بالنظر إلى تاريخ النزاع والحرب التي اندلعت بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982.
ترامب يلوّح بمراجعة الموقف الأمريكي من فوكلاند
جاءت تصريحات دونالد ترامب رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إدارته تراجع موقف الولايات المتحدة من جزر فوكلاند،
حيث أكد أن سياسته تقوم على مراجعة مختلف المواقف والملفات،
في إشارة فهم منها أن قضية الجزر ليست مستثناة من عملية إعادة تقييم أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية.
وتكتسب الإشارة أهمية خاصة لأن واشنطن تتبنى رسميًا موقفًا محايدًا بشأن مسألة السيادة على الجزر،
بينما تعترف في الواقع بالإدارة البريطانية للأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي.
وترى الأرجنتين أن الجزر جزء من أراضيها وتطلق عليها اسم جزر مالفيناس،
في حين تسيطر بريطانيا عليها بصورة متواصلة تقريبًا منذ عام 1833،
باستثناء فترة الاحتلال الأرجنتيني خلال حرب عام 1982.
وبالتالي، فإن مجرد طرح احتمال مراجعة الموقف الأمريكي يمكن أن يحمل أهمية تتجاوز التصريح نفسه،
لأنه يمس قضية سيادية شديدة الحساسية بالنسبة إلى بريطانيا،
كما يمكن أن يؤثر في حسابات العلاقات الأمريكية البريطانية.
الإنفاق الدفاعي يدخل على خط أزمة فوكلاند
تزامنت تصريحات ترامب مع مؤشرات على استعداد الإدارة الأمريكية لاستخدام ملف جزر فوكلاند للضغط على بريطانيا من أجل زيادة إنفاقها الدفاعي وتعزيز مساهمتها في حلف شمال الأطلسي.
وكان مسؤول أمريكي لم يُكشف عن اسمه قد أشار في وقت سابق إلى إمكانية تغيير موقف واشنطن من الجزر إذا لم تلتزم بريطانيا بتعهداتها المتعلقة بالإنفاق العسكري، في وقت ظهرت فيه تقارير عن احتمال تخلي الحكومة البريطانية عن التزام سابق بإنفاق ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2030.
ويأتي ذلك ضمن سياسة أوسع يتبعها ترامب تجاه حلفاء الولايات المتحدة، إذ يطالب منذ فتراته الرئاسية برفع الإنفاق الدفاعي، وينتقد ما يعتبره عدم تقاسم عادل لأعباء الأمن داخل التحالفات الغربية.
وكان حلفاء الولايات المتحدة قد التزموا خلال قمة في لاهاي برفع الإنفاق على الدفاع والأمن إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035،
ما يجعل الخلاف حول الميزانيات الدفاعية أحد الملفات الأساسية في العلاقة بين واشنطن ولندن.
إرث حرب عام 1982 يضاعف حساسية الموقف
لا يمكن فصل الجدل الحالي عن التاريخ العسكري والسياسي لجزر فوكلاند، فقد تحولت القضية إلى حرب مفتوحة عام 1982
بعدما أرسلت الأرجنتين قواتها للسيطرة على الجزر، وردت حكومة رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر بإرسال قوة بحرية لاستعادة السيطرة عليها.
وانتهت الحرب باستسلام القوات الأرجنتينية في يونيو من العام نفسه، بعد مقتل نحو 649 عسكريًا أرجنتينيًا و255 عسكريًا بريطانيًا، لتصبح الحرب إحدى أبرز المحطات في تاريخ النزاع على الجزر.
وخلال تلك الأزمة، قدم الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان دعمًا دبلوماسيًا قويًا لبريطانيا،
رغم علاقات واشنطن في ذلك الوقت مع القيادة العسكرية الأرجنتينية،
وأسهم الموقف الأمريكي في تعزيز الروابط السياسية بين واشنطن ولندن.
ومن هنا، فإن أي تراجع أمريكي محتمل عن الموقف العملي المؤيد للإدارة البريطانية للجزر قد يحمل قيمة رمزية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا، حتى إذا لم يؤدِ بصورة مباشرة إلى تغيير السيطرة الفعلية على الأرخبيل.
تقارب ترامب مع الأرجنتين يضيف بعدًا جديدًا
تزداد حساسية التطورات الحالية في ظل العلاقات الوثيقة التي أقامها ترامب مع الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي،
الذي يرتبط بموقف واضح داعم لمطالبة بلاده بالسيادة على جزر فوكلاند.
وقد شارك ميلي في مراسم تنصيب ترامب الثانية، كما منحت الإدارة الأمريكية خلال العام الماضي دعمًا ماليًا كبيرًا للأرجنتين لمساعدتها في مواجهة أزمتها الاقتصادية، مع ربط هذا الدعم بشروط سياسية تتعلق بالانتخابات التشريعية.
وفاز حزب ميلي في الانتخابات اللاحقة، كما سمحت الإدارة الأمريكية لاحقًا باستيراد لحوم الأبقار الأرجنتينية في إطار جهود خفض أسعار المواد الغذائية داخل الولايات المتحدة.
وفي المقابل، لا يبدو أن الموقف الشعبي داخل جزر فوكلاند يتطابق مع المطالبة الأرجنتينية،
إذ أظهرت نتيجة استفتاء أُجري عام 2013 تأييد الغالبية الساحقة من المشاركين لبقاء الجزر جزءًا من المملكة المتحدة،
وهو عامل يزيد تعقيد أي محاولة لإعادة صياغة الوضع السياسي للجزر.
كرة القدم تعيد النزاع إلى الواجهة
لم يختفِ النزاع حول فوكلاند من المشهد العام حتى في الفترات التي لم تشهد فيها مواجهة سياسية مباشرة،
إذ عادت القضية إلى الواجهة مؤخرًا من بوابة الرياضة بعد فوز الأرجنتين على إنجلترا في نصف نهائي كأس العالم في يوليو.
وخلال الاحتفالات، رفع عدد من لاعبي المنتخب الأرجنتيني لافتة تؤكد الموقف الأرجنتيني من الجزر،
ما أثار جدلًا مرتبطًا بإدخال قضية سياسية في حدث رياضي دولي.
وعلى خلفية الواقعة، فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم غرامة مالية على الاتحاد الأرجنتيني بسبب مخالفة القواعد المتعلقة بالمظاهر غير الرياضية.
وتكشف هذه الواقعة أن قضية فوكلاند لا تزال مرتبطة بالهوية الوطنية في كل من بريطانيا والأرجنتين،
وأنها قادرة على الظهور مجددًا في مناسبات سياسية ورياضية وثقافية، حتى بعد مرور أكثر من أربعة عقود على الحرب.
ماذا يعني موقف ترامب وما السيناريوهات المقبلة؟
يمثل تلويح ترامب بمراجعة الموقف الأمريكي من جزر فوكلاند تطورًا سياسيًا مهمًا،
لكنه لا يعني في حد ذاته أن الولايات المتحدة قررت التخلي عن موقفها الحالي أو الاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على الجزر.
الأهمية الأساسية تكمن في احتمال تحول القضية إلى أداة ضغط ضمن مفاوضات أوسع حول الإنفاق الدفاعي البريطاني والتزامات لندن تجاه حلف شمال الأطلسي، وهو ما قد يضع العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن أمام اختبار جديد.
وقد يتمثل السيناريو الأول في استمرار استخدام ملف فوكلاند كورقة تفاوضية دون حدوث تغيير فعلي في السياسة الأمريكية، خصوصًا إذا قررت بريطانيا زيادة إنفاقها الدفاعي بما يخفف الضغوط الأمريكية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في انتقال الموقف الأمريكي من مجرد التلويح بالمراجعة إلى خطوات سياسية أكثر وضوحًا،
وهو ما قد يمنح الأرجنتين مساحة أكبر لإعادة طرح مطالبها دوليًا، ويشكل في الوقت نفسه ضغوطًا على الحكومة البريطانية.
ويبقى السيناريو الأكثر حساسية هو حدوث تغيير أمريكي فعلي في الموقف العملي من إدارة بريطانيا للجزر،
لأن مثل هذه الخطوة ستكون ذات تأثير رمزي وسياسي كبير،
وقد تعيد قضية فوكلاند إلى صدارة العلاقات البريطانية الأمريكية والعلاقات البريطانية الأرجنتينية.
وعلى المستوى الدولي، تكشف التطورات عن تحول أوسع في طريقة إدارة واشنطن لعلاقاتها مع الحلفاء،
حيث أصبح الإنفاق الدفاعي وتقاسم الأعباء الأمنية عنصرين أساسيين في تقييم العلاقات والتحالفات.
ومن ثم، فإن مستقبل قضية جزر فوكلاند خلال المرحلة المقبلة لن يرتبط فقط بالموقف الأرجنتيني أو البريطاني،
بل قد يتأثر أيضًا بالسياسة الأمريكية تجاه الحلفاء وبقدرة لندن على التعامل مع الضغوط المتعلقة بالدفاع وحلف شمال الأطلسي.
اقرأ أيضاً
ترامب يلوّح بتصعيد جديد.. اشتباك أمريكي إيراني يعيد مضيق هرمز إلى واجهة الأزمة



