أسواق غزة الممتلئة تعجز عن إطعام السكان
تعج أسواق قطاع غزة اليوم بمختلف أصناف الفاكهة التي غابت عنها طويلا خلال الحرب الأخيرة. يقف السكان أمام البسطات المملوءة بالتفاح والموز والمانجا، لكنهم يشاهدونها فقط دون قدرة حقيقية على شرائها. تعكس هذه الظاهرة الهوة الكبيرة بين وفرة السلع المعروضة وانهيار القدرة المالية للعائلات النازحة. تعيش تهاني العدس، وهي أم لسبعة أطفال، قرب ميناء غزة بعد نزوحها من الشمال، بينما يظل زوجها مفقودا منذ الصيف الماضي. تطلب أطفالها الفاكهة باستمرار، لكنها تقف عاجزة أمام الأسعار المرتفعة رغم تراجعها النسبي مقارنة بذروة الحرب. يختصر هذا المشهد المأساوي واقعا قاسيا يعيشه الغزيون يوميا، حيث تتوفر البضائع في الأسواق لكن الجيوب فارغة تماما من المال اللازم لاقتنائها، مما يضاعف معاناتهم الإنسانية والنفسية في ظل ظروف النزوح والتشرد المستمرة.

واقع الشراء بالحبة الواحدة
تغيرت ثقافة التسوق تماما في قطاع غزة بعد تدمير المنازل وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان. يروي ربيع أحمد، النازح في مواصي خان يونس مع أسرته المكونة من ستة أطفال، تفاصيل معاناته اليومية مع تأمين الغذاء. لم يعد ربيع يشتري الفاكهة بالكيلوغرام كما كان يفعل قبل اندلاع الحرب، بل يكتفي بأخذ عينات صغيرة جدا بحسب ميزانيته الضئيلة. يؤكد البائع سفيان القدرة هذا التحول الكبير من خلف بسطته في السوق المحلي. اعتاد التجار رؤية زبائن يشترون كميات كبيرة، لكنهم يشهدون اليوم إقبالا على شراء حبة أو حبتين فقط. يسأل الزبائن عن الأسعار ثم يقلصون طلباتهم سريعا بسبب عجز أموالهم عن تغطية التكاليف الأساسية، مما يدفع الأسر نحو خيارات قاسية تحدد بدقة ما يمكن الاستغناء عنه وما يتعين شراؤه للضرورة القصوى.
أزمة الركود التضخمي الخانقة
يؤكد المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن قطاع غزة بحاجة ملحة إلى أكثر من سبعمائة شاحنة يوميا لتلبية الاحتياجات الأساسية. ومع ذلك، لا يتجاوز المتوسط الحالي المائتي إلى مائتين وخمسين شاحنة تدخل عبر المعابر الحدودية بانتظام. تشكل الشاحنات التجارية النسبة الأكبر من هذه الواردات، بينما تدخل البقية عبر قنوات المساعدات الإنسانية المختلفة. تساهم تكاليف النقل المرتفعة في رفع أسعار السلع بشكل ملحوظ داخل الأسواق المحلية. وفي المقابل، تراجعت دخول الأسر بشكل كارثي، حيث تتجاوز نسبة البطالة حاجز الثمانين بالمئة، بينما يرتفع معدل الفقر فوق التسعين بالمئة. تعتمد نحو خمس وتسعين بالمئة من الأسر كليا أو شبه كلي على المساعدات الخارجية لتسيير أمور حياتها اليومية. يصف الخبراء هذا الوضع المعقد بالركود التضخمي الذي يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف القوة الشرائية وتراجع النشاط التجاري بشكل عام.
خيارات معقدة وحلول غائبة
تواجه العائلات الغزية خيارات قاسية ومؤلمة في إدارة شؤونها اليومية وتأمين قوت أطفالها وسط ظروف بالغة التعقيد. يضطر رب الأسرة إلى المفاضلة بين توفير الخضروات الأساسية أو شراء القليل من الفاكهة لإدخال البهجة إلى قلوب الصغار. تحذر التقارير الاقتصادية من استمرار هذه الأزمة دون تدخلات عاجلة وحاسمة من الأطراف المعنية لتخفيف العبء الثقيل عن كاهل المدنيين. يتطلب الحل الجذري توسيع فتح المعابر التجارية بشكل دائم لضمان تدفق السلع والمواد الخام بكميات كافية تغطي حاجة السوق. إضافة إلى ذلك، ينبغي الحد من محاولات الاحتكار وضبط الأسعار لحماية المستهلكين المنهكين من تداعيات النزاع الطويل. يبقى الإسراع في عمليات إعادة الإعمار هو المفتاح الأساسي لخلق فرص عمل جديدة تعيد الحيوية إلى الاقتصاد المحلي وتنقذ الأسر من شبح الفقر المطلق.
الخاتمة
تجسد أسواق غزة اليوم تناقضا صارخا بين وفرة الفاكهة المعروضة وعجز السكان عن شرائها بسبب الانهيار الاقتصادي الحاد. تعكس قصص النازحين مثل تهاني وربيع حجم المعاناة اليومية التي يواجهها آلاف الأسر في تأمين أبسط احتياجات أطفالهم. تتطلب هذه الأزمة الإنسانية تدخلا دوليا عاجلا لفتح المعابر، وزيادة تدفق السلع التجارية، وتخفيض الأسعار المرتفعة. وحدها الخطوات العملية الجادة قادرة على إعادة الأمل للسكان وتخفيف وطأة الركود التضخمي الذي يغرق القطاع.



