العراق يواجه اختبارات مصيرية بعد الانسحاب الأمريكي
أعاد الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق طرح تساؤلات كبرى حول قدرة بغداد على حماية أجوائها ومواجهة تنظيم داعش وحصر السلاح بيد الدولة. شهد برنامج الظهيرة على قناة سكاي نيوز عربية نقاشا موسعا بين أربعة ضيوف حول دلالات هذه الخطوة وتبعاتها الأمنية والسياسية على مستقبل البلاد. بينما اعتبر فريق أن الخطوة تمثل انتقالا طبيعيا للمسؤولية الأمنية إلى المؤسسات العراقية، حذر فريق آخر من اختلال التوازنات الإقليمية واتساع نفوذ الفصائل المسلحة. بالمجمل، تتطلب المرحلة الحالية توافقا سياسيا حقيقيا يعزز قدرة الجيش وقوى الأمن على إدارة هذا التحول المصيري بحكمة وفاعلية كاملة.

طبيعة الانسحاب والدور العسكري الجديد
أكد محلل الشؤون السياسية والعسكرية مهند العزاوي أن الانسحاب الأخير كان عملياتيا وليس رمزيا فقط. استغرقت عملية إخراج القوات المتبقية ومنظومة الدفاع الجوي أكثر من ثلاثة أسابيع متتالية. تركز الدعم الأمريكي الحالي على الاستطلاع وتقديم المعلومات الاستخبارية والخدمات اللوجستية لمواجهة فلول داعش. من جانبه، أشار رئيس تحرير صحيفة السياسة عادل المانع إلى أن إنهاء هذه المهمة جرى وفق اتفاق مسبق مع حكومة محمد شياع السوداني. يختلف هذا الانسحاب كليا عن خروج القوات الأمريكية عام ألفين وواحد عشر بعد الغزو المباشر. كما أوضح الباحث طارق الشامي أن واشنطن سعت لإزالة ذريعة استهداف قواعدها عبر نقل قيادة العمليات إلى الأردن.
تحديات الأمن وفراغ الردع المحتمل
حذر مهند العزاوي من خطر حدوث فراغ في الردع والتوازن الإقليمي تجاه دول الجوار مثل إيران وتركيا. قد يستغل تنظيم داعش هذا الفراغ لتحفيز عناصره على شن هجمات جديدة ضد القوات المحلية دون غطاء جوي خارجي. تحتاج القوات العراقية إلى إعادة تنظيم هيكلها العسكري وسد الثغرات بعد تسلمها كامل المسؤولية الميدانية. في المقابل، شدد عادل المانع على قدرة الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي على صد أي هجمات إرهابية محتملة. اعتبر المانع أن التحدي الحقيقي يكمن في الجانب السياسي والإداري وليس في قدرات القوات المسلحة على الأرض.
اختبار الفصائل وبسط سيطرة الدولة
يرى طارق الشامي أن الانسحاب الأمريكي يسحب أحد أبرز مبررات هجمات الفصائل المسلحة ضد المصالح الأجنبية. يضع هذا الواقع الجديد الحكومة أمام اختبار حقيقي لبسط سيادتها وفرض هيبة القانون على الجميع. تحدث الشامي عن تطورات ميدانية تتعلق بتسليم بعض الفصائل جزءا من أسلحتها وانتقال عناصر أخرى إلى مجموعات منشقة. شدد العزاوي على أن معالجة هذه المخاطر تبدأ حتما بإصلاح القرار السياسي وتجاوز الانقسامات الطائفية المقيتة. يمثل بناء نظام سياسي يطمئن جميع المواطنين من أربيل إلى البصرة الشرط الأساسي لتحقيق الاستقرار المستدام.
الخاتمة
يضع الانسحاب الأمريكي العسكري العراق أمام مفترق طرق تاريخي واختبارات قاسية تتعلق بالأمن القومي والسيادة الوطنية. يتطلب هذا المخاض العسير إرادة سياسية صلبة تتجاوز الخلافات الحزبية والطائفية لبناء مؤسسات قوية قادرة على حماية البلاد. إذا نجحت بغداد في توحيد صفوفها وحصر السلاح بيد الدولة، فسوف تعبر هذه المرحلة بحسب المخطط. أما في حال استمرار الانقسامات، فستبقى الأبواب مشرعة أمام التدخلات الخارجية ومخاطر عودة التنظيمات الإرهابية لتتجدد مأساة الاستقرار الهش.



