200 يوم خلف خطوط العدو.. حكاية البطل مجدي شحاتة
في تاريخ حرب أكتوبر 1973، لم تكن كل البطولات تُروى على خطوط الجبهة أو أمام عدسات الكاميرات، فهناك رجال خاضوا معاركهم في صمت، خلف خطوط العدو، وسط جبال سيناء القاسية، وكتبوا واحدة من أكثر صفحات الصمود إثارة في تاريخ الصاعقة المصرية.
ومن بين هذه الصفحات تبرز قصة اللواء أركان حرب مجدي شحاتة، الذي كان برتبة نقيب خلال حرب أكتوبر،
وأحد أبطال الكتيبة 83 صاعقة، في ملحمة امتدت لنحو 200 يوم خلف خطوط القوات الإسرائيلية في جنوب سيناء.
المهمة بدأت بعد عبور القوات المصرية
مع اندلاع حرب أكتوبر، أوكلت إلى مجموعات من الصاعقة المصرية مهام نوعية في جنوب سيناء،
كان من بينها تنفيذ الكمائن والإغارات وتعطيل تحركات قوات العدو،
بما يساعد على تشتيت قواته ومنعها من تركيز جهودها في مواجهة قوات العبور المصرية.
وفي منطقة وادي فيران، شارك مجدي شحاتة ورفاقه في عمليات استهدفت قوات ومعدات إسرائيلية،
ومن بينها تدمير أتوبيسين للعدو في التاسع من أكتوبر 1973،
وفق روايات منشورة للبطل ومصادر صحفية تناولت شهادته عن تلك الفترة.

200 يوم بين الجبال والمطاردة
بعد تنفيذ المهمة، وجد رجال الصاعقة أنفسهم أمام واقع بالغ الصعوبة؛
فقد بدأت قوات الاحتلال عمليات بحث وتمشيط واسعة لملاحقتهم،
مستخدمة القوات البرية والطائرات والمعدات العسكرية.
وبدلًا من العودة إلى خطوط القوات المصرية، اضطر الأبطال إلى التحرك داخل المناطق الجبلية الوعرة،
والاعتماد على التخفي وتغيير أماكنهم باستمرار، وسط نقص شديد في الطعام والمياه والذخيرة.
وتحوّلت المهمة العسكرية إلى معركة طويلة من أجل البقاء، استمرت قرابة 200 يوم،
عاش خلالها الرجال في ظروف قاسية، لكنهم حافظوا على تماسكهم وواصلوا التحرك والاختباء بعيدًا عن أعين قوات الاحتلال.

عبد الرؤوف جمعة.. جرح وسط الجبال
ومن أكثر مشاهد الملحمة قسوة قصة المقاتل عبد الرؤوف جمعة،
الذي تعرض لإصابة خطيرة خلال إحدى المواجهات في منطقة وادي فيران.
وبحسب روايات منشورة عن الواقعة، أصيب جمعة بطلقات نافذة،
واضطر رفاقه إلى نقله والبحث عن مكان يحميه من مطاردة الطائرات والقوات الإسرائيلية،
قبل أن يجدوا ملاذًا داخل إحدى المغارات.
كانت الإصابة واحدة من أصعب لحظات الرحلة، لكن رفاقه تمسكوا به وواصلوا رعايته في ظل غياب الإمكانات الطبية،
لتصبح قصته جزءًا من ملحمة الصمود التي عاشتها المجموعة.
أبناء سيناء.. السند الذي لم ينسه الأبطال
لم يكن الصمود في الجبال ممكنًا بمعزل عن الدور الذي لعبه أبناء سيناء،
فقد ساعد عدد من الأهالي والبدو المصريين رجال الصاعقة في توفير الطعام والمياه والمعلومات،
وساهموا في إخفائهم عن قوات الاحتلال.
وتشير شهادات الأبطال إلى أن العلاقة بين رجال القوات المسلحة وأهالي سيناء كانت أحد العوامل المهمة في استمرار المجموعة حتى تمكنت من العودة إلى مناطق القوات المصرية.
وكان للمرأة السيناوية أيضًا حضور في هذه الروايات، من خلال المساعدة في توفير الاحتياجات ورعاية المصابين والمساهمة في إخفاء المقاتلين.
العودة بعد 200 يوم
بعد أشهر طويلة من الاختباء والمطاردة، بدأت رحلة العودة إلى مناطق القوات المصرية.
وتحرك الأبطال عبر طرق جبلية شديدة الصعوبة، حتى تمكنوا من الوصول إلى مناطق آمنة ثم مواصلة طريقهم إلى السويس والقاهرة في أبريل 1974.
وكانت لحظة العودة مختلفة تمامًا عن لحظة خروجهم؛ فقد عاد رجال الصاعقة بعد أشهر من القتال والبقاء خلف خطوط العدو، حاملين معهم واحدة من أكثر شهادات حرب أكتوبر تأثيرًا.

ملحمة لا تختصرها كلمة بطولة
قصة مجدي شحاتة ورفاقه لا تتوقف عند عدد الأيام التي قضوها خلف خطوط العدو
وإنما تكشف جانبًا من طبيعة الحرب التي خاضها المقاتل المصري في سيناء؛ حرب اعتمدت على التدريب والانضباط والصبر والقدرة على التكيف مع أصعب الظروف.
وبعد أكثر من نصف قرن، تظل رواية الـ200 يوم واحدة من القصص التي تستحق التوثيق والدراسة،
لأنها تجمع بين العمل العسكري، والصمود في ظروف استثنائية، ودور أبناء سيناء في مساندة رجال القوات المسلحة خلال واحدة من أهم محطات التاريخ المصري الحديث.
ففي ذاكرة حرب أكتوبر، لم تكن كل المعارك تُخاض بالمدافع فقط، بل خاض بعض الرجال معركتهم في صمت، بين الجبال والوديان، وانتظروا مئات الأيام حتى جاءت لحظة العودة.



