اتهامات لقوات الدعم السريع باستهداف المستشفيات بالفاشر
كشف تحقيق صحفي استقصائي جديد عن أدلة دامغة تثبت تورط قوات الدعم السريع السودانية في تدمير ممنهج للقطاع الصحي بمدينة الفاشر. وأشار التحقيق الذي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية إلى وقوع عشرات الهجمات المباشرة ضد المرافق الطبية أثناء الحصار الطويل. ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك هذه النتائج بأنها مقلقة للغاية وخطيرة. وذكر المسؤول الأممي أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي وقد ترقى إلى مستوى جرائم حرب حقيقية. وفي المقابل، سارعت قوات الدعم السريع وبعض ممثليها المدنيين إلى رفض هذه الاتهامات بشكل قاطع. واعتبر وزير الصحة في الحكومة المدنية المرتبطة بالدعم السريع علاء الدين نقد أن هذه التقارير مجرد دعاية سياسية مغرضة. وأكد نقد أن الهدف الأساسي يتمثل في تشويه سمعة القوات عبر اتهامات باطلة يروج لها الجيش السوداني وحلفاؤه المحليون.

تدمير ممنهج للقطاع الطبي
اعتمد تحقيق بي بي سي على شهادات حية ومصادر موثوقة كانت موجودة داخل مدينة الفاشر طوال فترة الحصار. وتوصل التحقيق إلى رصد ما لا يقل عن ثلاثة وأربعين هجوماً منفصلاً استهدفت المستشفيات ومنشآت الرعاية الصحية بوضوح. ووقعت هذه الاعتداءات المتكررة بين شهر مايو من عام ألفين وأربعة عشر حتى شهر أكتوبر من عام ألفين وخمسة عشر. وتعرضت بعض المستشفيات الحيوية للقصف المدفعي أو الجوي أكثر من مرة رغم تقديمها خدمات علاجية طارئة للمدنيين. ويؤكد القانون الدولي الإنساني حظر استهداف المنشآت الطبية أو الطواقم العاملة فيها أثناء النزاعات والحروب مهما كانت الظروف الميدانية والعسكرية. ورغم هذه النصوص الواضحة، واصلت أطراف النزاع في السودان تجاهل القواعد الأساسية لحماية المدنيين والمؤسسات الصحية الإنسانية الأساسية.
خسائر فادحة في صفوف الأطباء
أسفرت الهجمات المستمرة على المرافق الصحية في الفاشر عن خسائر بشرية بالغة القسوة طالت الكوادر الطبية والتمريضية بشكل مباشر. وأوضحت بيانات التحقيق الصحفي أن الفترة الممتدة من أبريل ألفين وثلاثة وعشرين حتى أكتوبر ألفين وخمسة عشر شهدت إصابة مئة وعشرين طبيباً وممرضاً. إضافة إلى ذلك، فقد قُتل خمس55 فرداً من العاملين في القطاع الطبي أثناء أداء واجبهم الإنساني داخل المستشفيات المحاصرة. ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تعرض عشرة أطباء آخرين لحوادث اختفاء قسري واختطاف مسلح غامضة. ويؤكد الأطباء المحليون أن استهداف الكوادر الطبية لم يكن عرضياً، بل جاء ضمن استراتيجية عسكرية مدروسة لإجبار السكان على الرحيل القسري. وعندما تفقد المدن كوادرها الطبية ومستشفياتها، تصبح الحياة فيها مستحيلة تماماً، وهو ما حدث بالفعل في مدينة الفاشر.
شهادات حية من داخل الميدان
روى الطبيب الجراح محمد سليمان تفاصيل مروعة عما جرى داخل مستشفيات الفاشر أثناء الحصار العنيف الذي فرضته قوات الدعم السريع. وأكد سليمان في شهادته أن القوات المهاجمة كانت تسعى بشتى الطرق إلى إخلاء المستشفيات وإخراجها نهائياً عن الخدمة الفعلية. ويعتبر الجراح السوداني أن النظام الصحي هو حجر الأساس لأي مدينة أو دولة تسعى للصمود وقت الأزمات الكبرى. وبدأت القوات المهاجمة بقصف هذه المرافق الحيوية بعنف شديد حتى يحرموا المواطنين من أي وسيلة للبقاء على قيد الحياة. وكان الهجوم مكثفاً للغاية ومخططاً له بعناية فائقة لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية على حساب أرواح المدنيين الأبرياء. وتؤكد هذه الشهادات الميدانية حجم المعاناة الإنسانية التي يعاني منها القطاع الصحي في إقليم دارفور وعموم الأراضي السودانية.
أزمة صحية واسعة النطاق بالسودان
يأتي هذا التحقيق الاستقصائي المعمق بعد مرور عام كامل على سقوط مدينة الفاشر في واحدة من أشرس المعارك. وشهدت الحرب الأهلية المندلعة منذ أبريل ألفين وثلاثة وعشرين بين الجيش وقوات الدعم السريع انتهاكات واسعة النطاق ومروعة. ولم تقتصر الاتهامات على طرف واحد، حيث وثقت منظمات دولية هجمات متفرقة من الجانبين ضد المرافق الطبية المدنية. ففي مارس ألفين وستة عشر، أدانت منظمة الصحة العالمية قصف مستشفى الضعين شرقي دارفور الخاضع لسيطرة الدعم السريع. وأسفر ذلك القصف المدمر عن مقتل العشرات من المدنيين والمرضى وأجبر المستشفى على الإغلاق التام والنهائي. ورغم نفي الجيش السوداني مسؤوليته عن ضربات المسيّرات في الضعين، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن ما جرى بالفاشر يمثل سوابق خطيرة.
الخاتمة
تؤكد التحقيقات الدولية والميدانية المستمرة أن القطاع الصحي في السودان يدفع ثمن حرب مدمرة لا تراعى فيها حرمة المستشفيات ولا أرواح المرضى. وتستمر معاناة الملايين من المدنيين وسط غياب تام للحلول السياسية العاجلة التي توقف نزيف الدم والدمار المستمر في الإقليم. ويمثل استهداف المرافق الطبية جريمة كبرى تستوجب التحقيق العاجل ومحاسبة كافة المسؤولين عن هذه الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وبدون تدخل دولي حازم وحماية فعلية للكوادر الطبية والمستشفيات، ستظل المنظومة الصحية في السودان عرضة للانهيار التام والكامل.



