إليف شافاق تعيد محاكمة فلوبير بأصوات النساء في رواية جديدة
تعود الكاتبة التركية إليف شافاق إلى عالم الأدب برواية جديدة تحمل عنوان «In One Brief Moment All Eternity»،إليف شافاق تعيد محاكمة فلوبير بأصوات النساء في رواية جديدة
تقدم من خلالها قراءة مختلفة لحياة الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير، صاحب الرواية الشهيرة «مدام بوفاري»،
عبر أصوات نسائية متعددة تكشف جوانب معقدة من حياته وعلاقته بشخصياته الأدبية،
وتطرح تساؤلات حول صورة المرأة في الأدب ودور الكاتب في رسم مصائر أبطاله.
وتسلط الرواية الضوء على العلاقة الجدلية بين فلوبير وبطلة روايته إيما بوفاري،
إذ تمنح شافاق الشخصية مساحة للتعبير عن غضبها من مصيرها الأدبي،
متسائلة عما إذا كان كونها امرأة هو السبب وراء حرمانها من فرصة التعلم من أخطائها ومواصلة حياتها.
إيما بوفاري تواجه كاتبها.. صراع بين الإبداع والمرأة
تبدأ الرواية بمشهد يصور فلوبير وهو يكتب النهاية المأساوية لشخصية إيما بوفاري،
في لحظة تصفها الرواية بأنها أشبه بقتل المرأة الوحيدة التي أحبها بقلبه وعقله وروحه،
قبل أن تنتقل الأحداث إلى صوت إيما نفسها، التي تعترض على النهاية التي اختارها لها مؤلفها.
وتستكشف شافاق من خلال هذا التناقض صورتين متباينتين لفلوبير؛
الأولى لكاتب ارتبط بشخصياته الأدبية ارتباطًا عاطفيًا عميقًا،
والثانية لرجل يواجه اتهامات بالتحيز ضد النساء،
بعدما انتهى مصير بطلته إلى مأساة لا تستطيع تغييرها.
ولا تقدم الرواية سيرة تقليدية للكاتب الفرنسي، بل تعتمد على بناء سردي متعدد الأصوات،
يمتد عبر نحو 600 صفحة، ويستعين بثلاثين شخصية نسائية أو كائنًا آخر ارتبط بحياة فلوبير منذ ولادته وحتى وفاته،
لتقديم صورة أكثر اتساعًا عن عالمه الشخصي والإبداعي.
ثلاثون صوتًا تكشف أسرار عالم فلوبير

تمنح الرواية مساحة لشخصيات متنوعة، بعضها مستوحى من أشخاص ارتبطوا بحياة فلوبير،
وبعضها الآخر من ابتكار الكاتبة، إلى جانب أصوات غير مألوفة، مثل الأفيون والزهري،
اللذين يتحولان إلى راويين ضمن التجربة السردية.
وتبرز براعة شافاق في رسم الشخصيات الهامشية التي تمنح الرواية طابعًا خاصًا،
من بينها جمل تُدعى جميلة، تتحول قصتها إلى لحظة إنسانية مؤثرة في ظل أجواء باريس التي عانت الهزيمة،
حين اضطر سكانها إلى قتل حيوانات حدائق الحيوان لتقديمها في المطاعم.
كما تتناول الرواية جوانب من طفولة فلوبير وعلاقاته العائلية،
بما في ذلك علاقته بوالدته وشقيقته التي تركت وفاتها أثرًا عميقًا في حياته،
إلى جانب علاقته بابنة أخته التي سمح بدخولها زواجًا تعيسًا،
رغم إدراكه لمعاناة النساء داخل الزيجات غير السعيدة.
إليف شافاق تحتفي بقوة الحكايات في الأوقات المظلمة
تعكس الرواية إيمان شافاق بقدرة الأدب على منح الإنسان نافذة للأمل في الأوقات الصعبة،
إذ تقدم العمل باعتباره رسالة حب إلى الأدب، وتؤكد من خلاله أهمية القصص والفنون في مقاومة القسوة والتراجع الإنساني.
ورغم أن الرواية تميل أحيانًا إلى الخيال والمبالغة في ابتكار الأصوات والشخصيات،
فإنها تنجح في تقديم تجربة سردية واسعة تجمع بين التاريخ والخيال والتحليل النفسي،
وتعيد طرح أسئلة حول علاقة الكاتب بشخصياته، وحدود سلطته في تقرير مصائرها.
وتقدم شافاق، في النهاية، رؤيتها الخاصة لفلوبير، مستلهمة تعقيد شخصيته وشغفه بالكتابة،
لتؤكد أن الأدب قد يصبح ضوءًا هشًا يرشد الإنسان وسط الأوقات المظلمة،
حتى عندما تعجز الحياة عن تقديم إجابات واضحة.


