الإمارات وإفريقيا.. كيف تبني أبوظبي إمبراطورية النفوذ عبر الموانئ والذهب والاستثمارات؟

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، تشهد القارة الإفريقية تحولًا متسارعًا في طبيعة النفوذ الخارجي، مع توسع غير مسبوق لدولة الإمارات في مجالات الموانئ والطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية، إلى جانب حضور متزايد في ملفات الأمن والصراعات الإقليمية. ويرى التقرير أن أبوظبي لم تعد مجرد مستثمر اقتصادي، بل أصبحت لاعبًا جيوسياسيًا مؤثرًا يسعى إلى بناء شبكة متكاملة من المصالح تمتد من البحر الأحمر إلى وسط وغرب إفريقيا. وفي المقابل، يثير هذا التوسع نقاشًا واسعًا حول تأثيره على سيادة بعض الدول الإفريقية، خاصة في ظل ارتباطه بملفات حساسة مثل الحرب في السودان، وتهريب الذهب، وإدارة الموانئ، والاستثمار في الموارد الطبيعية، وهو ما يجعل الحضور الإماراتي أحد أبرز التحولات الجيوسياسية التي تشهدها القارة خلال السنوات الأخيرة.
توسع اقتصادي واسع يمتد من الموانئ إلى الزراعة والتعدين
يعرض التقرير صورة شاملة للاستثمارات الإماراتية في إفريقيا، موضحًا أنها تشمل تشغيل وتطوير الموانئ، وإنشاء مناطق حرة، والاستثمار في الطاقة المتجددة، والحصول على حقوق تعدين في عدد من الدول، إضافة إلى استئجار مساحات زراعية ضخمة بهدف تعزيز الأمن الغذائي. كما يشير إلى أن الإمارات أعلنت منذ عام 2017 استثمارات بمئات المليارات من الدولارات في مشاريع متنوعة داخل القارة، وهو ما يعكس رؤية طويلة الأمد لتحويل إفريقيا إلى شريك اقتصادي واستراتيجي في مرحلة ما بعد الاعتماد على النفط.
الموانئ.. بوابة النفوذ الاستراتيجي في القارة
يرى التقرير أن الموانئ تمثل الركيزة الأساسية للاستراتيجية الإماراتية في إفريقيا، حيث توسعت الشركات الإماراتية في إدارة وتطوير موانئ ومحطات لوجستية في عدد كبير من الدول الإفريقية. ويشير إلى أن هذه الموانئ لا تؤدي دورًا تجاريًا فقط، بل تمنح أبوظبي نفوذًا متزايدًا على طرق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، خصوصًا في البحر الأحمر وخليج عدن. كما يلفت إلى أن تطوير ميناء بربرة في أرض الصومال يمثل نموذجًا لهذا النهج، إذ ترافق الاستثمار التجاري مع تطوير بنية تحتية ومرافق ذات أهمية استراتيجية.
السودان في قلب الجدل حول الدور الإماراتي
يتناول التقرير الحرب السودانية باعتبارها أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، مشيرًا إلى اتهامات وتقارير دولية تحدثت عن وصول كميات من الذهب السوداني إلى الإمارات خلال الحرب، إلى جانب مزاعم بشأن دعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها أبوظبي بشكل متكرر، مؤكدة أنها لا تقدم أي دعم عسكري لأي طرف في النزاع. كما يشير التقرير إلى أن مسؤولين إماراتيين أكدوا امتلاك بلادهم إطارًا تنظيميًا صارمًا لتنظيم تجارة الذهب ومكافحة غسل الأموال، بينما يرى باحثون ومنظمات أن تجارة الذهب أصبحت أحد مصادر تمويل الصراع داخل السودان.
الاستثمارات الضخمة بين الترحيب والمخاوف
يوضح التقرير أن العديد من الحكومات الإفريقية تنظر إلى الاستثمارات الإماراتية باعتبارها فرصة لسد فجوة التمويل في البنية التحتية، خاصة في ظل تراجع التمويل الغربي وارتفاع احتياجات التنمية. لكن في المقابل، يحذر عدد من الباحثين والمسؤولين الأفارقة من أن اتساع النفوذ الاقتصادي قد يتحول إلى نفوذ سياسي وأمني، بما قد يؤثر على استقلال القرار في بعض الدول الهشة. كما يشير التقرير إلى أن بعض المشروعات المعلنة لم تكتمل، بينما واجهت أخرى تحديات مرتبطة بالأوضاع السياسية أو الاقتصادية.
دبي.. مركز مالي وتجاري يربط إفريقيا بالعالم
يركز التقرير أيضًا على الدور الذي تلعبه دبي باعتبارها مركزًا ماليًا وتجاريًا رئيسيًا للشركات ورؤوس الأموال الإفريقية، موضحًا أن آلاف الشركات الإفريقية تعمل من خلال الإمارة، وأن الاستثمارات العقارية الإفريقية في دبي شهدت نموًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية. وفي المقابل، يورد التقرير آراء عدد من الباحثين الذين يرون أن البيئة التنظيمية في دبي جعلتها وجهة جاذبة لرؤوس الأموال الإفريقية، بينما تؤكد الإمارات أنها تلتزم بالمعايير الدولية الخاصة بالشفافية ومكافحة غسل الأموال وحماية نزاهة النظام المالي العالمي.
ماذا يعني هذا التوسع؟ وما السيناريوهات المقبلة؟
يشير التقرير إلى أن الحضور الإماراتي في إفريقيا يمثل أحد أبرز التحولات الجيوسياسية في القارة خلال العقد الأخير، إذ يجمع بين الاستثمار الاقتصادي، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز النفوذ السياسي والأمني. وإذا استمرت هذه الاستراتيجية، فمن المرجح أن تتوسع الشراكات الإماراتية في مجالات الطاقة والمعادن والموانئ، خاصة مع تزايد المنافسة الدولية على الموارد الإفريقية. وفي المقابل، قد يزداد الجدل بشأن طبيعة هذا النفوذ، وحدود تأثيره على سيادة الدول الإفريقية، ودوره في الصراعات الإقليمية، بما يجعل العلاقة بين الاستثمار والتنمية من جهة، والأمن والسياسة من جهة أخرى، محورًا رئيسيًا للنقاش خلال السنوات المقبلة.

إقرأ أيضا:
حرب داخلية تهدد الديمقراطيين.. هل أصبح ملف إسرائيل العقبة الأكبر أمام طريق البيت الأبيض؟




