تحذير صادم: الاحترار العالمي يتجه لتجاوز 1.8 درجة.. وعودة الأرض إلى 1.5 درجة ممكنة
تحذير صادم: الاحترار العالمي يتجه لتجاوز 1.8 درجة..وفقًا لتقرير نشره برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أصبح تجاوز هدف الحد من ارتفاع متوسط حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية أمرًا شبه حتمي خلال السنوات المقبلة،
حتى مع أفضل السيناريوهات المناخية المتاحة، في تحذير جديد من تسارع تداعيات التغير المناخي عالميًا.
وأوضح التقرير أن الاحترار العالمي قد يصل إلى 1.8 درجة مئوية على الأقل،
بينما قد يتجاوز 3 درجات في حال استمرار السياسات الحالية دون تحرك أكثر حسمًا،
وهو ما يعني زيادة مخاطر موجات الحر الشديدة، وذوبان الأنهار الجليدية، وارتفاع مستويات البحار، وتراجع الإنتاج الغذائي،
وتضرر النظم البيئية والاقتصادات. ورغم قتامة التوقعات،
يؤكد العلماء أن العودة إلى مستوى 1.5 درجة مئوية خلال هذا القرن لا تزال ممكنة، بشرط ألا يتجاوز الاحترار نحو 1.8 درجة،
مع خفض سريع ومستمر لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري،
بالتوازي مع إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
تجاوز 1.5 درجة مئوية أصبح أقرب من أي وقت مضى
يكشف التقرير الأممي أن العالم دخل مرحلة شديدة الحساسية في مواجهة التغير المناخي، بعدما بات تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية الذي شكل محورًا أساسيًا في اتفاق باريس أمرًا يصعب تفاديه، حتى في أكثر المسارات تفاؤلًا.
ويرى التقرير أن المشكلة لا تتعلق فقط بالوصول إلى رقم معين في متوسط درجات الحرارة، وإنما بسرعة حدوث الاحترار ومدى استمراره. فكل جزء إضافي من الدرجة المئوية يرفع مستوى المخاطر على البشر والطبيعة والبنية التحتية والاقتصادات.
ويحذر العلماء من أن استمرار ارتفاع الحرارة سيجعل الظواهر الجوية المتطرفة أكثر شدة وطولًا، وهو ما بدأت آثاره تظهر بالفعل من خلال موجات الحر القياسية والحرائق والجفاف والفيضانات التي تضرب مناطق مختلفة من العالم.
وفي المقابل، فإن خفض الانبعاثات بسرعة يمكن أن يحد من حجم الضرر ويقلل مدة تجاوز المستويات الآمنة، وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد المسار المناخي العالمي.
ارتفاع الحرارة يهدد الغذاء والمياه والمدن الساحلية
لا تتوقف تداعيات الاحترار العالمي عند موجات الحر أو الظواهر الجوية المتطرفة،
إذ يشير التقرير إلى أن ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تصل إلى 3 درجات مئوية قد يؤدي بحلول نهاية القرن إلى فقدان الأنهار الجليدية أكثر من ربع كتلتها.
ومن شأن هذا التراجع أن يساهم في ارتفاع مستويات البحار بما يصل إلى نحو 13 سنتيمترًا،
ما يزيد الضغوط على المناطق الساحلية والجزر والمدن المنخفضة،
ويجعل بعض المجتمعات أمام تحديات متزايدة تتعلق بالمياه والسكن والبنية التحتية.
كما يحذر التقرير من احتمال تراجع الإنتاج الغذائي العالمي بنسبة تصل إلى 14 بالمئة بحلول عام 2050 إذا لم يتم تنفيذ استراتيجيات فعالة للتكيف مع تغير المناخ.
وتعني هذه التطورات أن أزمة المناخ قد تتحول بصورة متزايدة إلى أزمة اقتصادية واجتماعية،
مع ارتفاع تكاليف حماية المدن والبنية التحتية، وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية وسبل معيشة ملايين الأشخاص.
العودة إلى 1.5 درجة ما زالت ممكنة.. ولكن بشروط صعبة
رغم تأكيد التقرير أن تجاوز 1.5 درجة مئوية أصبح أمرًا لا يمكن تجنبه على الأرجح،
فإن العلماء لا يعتبرون هذا المستوى نقطة لا يمكن بعدها إنقاذ الوضع المناخي.
وأوضح معدو التقرير أن متوسط حرارة الأرض يمكن إعادته إلى 1.5 درجة مئوية خلال هذا القرن إذا لم يتجاوز الاحترار العالمي نحو 1.8 درجة، لكن تحقيق ذلك يتطلب مسارًا يعرف باسم التجاوز ثم الذروة ثم الانخفاض.
ويقوم هذا المسار على خفض سريع ومستمر لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري،
إلى جانب إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي من خلال وسائل تشمل توسيع الغطاء النباتي والغابات.
ويشدد التقرير على أن إزالة الكربون لا يمكن أن تكون بديلًا عن خفض استخدام الوقود الأحفوري،
بل يجب أن تسير الإجراءات في اتجاهين متوازيين،
لأن الاعتماد على إزالة الكربون وحدها قد يزيد المخاطر ويجعل تحقيق الأهداف المناخية أكثر صعوبة.
تحذير من تقلص قدرة الطبيعة على امتصاص الكربون
من أخطر ما يلفت إليه التقرير أن قدرة النظم الطبيعية على تخزين الكربون ليست مضمونة،
وقد تتراجع كلما ارتفعت حرارة الكوكب، وهو ما يضيف عاملًا جديدًا من عدم اليقين إلى الحسابات المناخية المستقبلية.
وتلعب الغابات والتربة والنظم البيئية دورًا مهمًا في امتصاص ثاني أكسيد الكربون،
لكن استمرار الاحترار والضغط على الطبيعة يمكن أن يضعف هذه القدرة تدريجيًا.
وبذلك قد يجد العالم نفسه أمام حلقة متفاقمة، إذ يؤدي ارتفاع الحرارة إلى إضعاف بعض آليات التخزين الطبيعي للكربون،
بينما يؤدي ارتفاع تركيزات الغازات الدفيئة إلى مزيد من الاحترار.
ويشير التقرير إلى أن هذه المعطيات تجعل تقليص الانبعاثات المباشرة أكثر إلحاحًا،
لأن تأجيل الخفض على أمل الاعتماد مستقبلًا على تقنيات إزالة الكربون أو قدرة الطبيعة قد يحمل مخاطر كبيرة وغير قابلة للعكس في بعض الحالات.
دول الجزر في واجهة الخطر المناخي
تتعامل الدول الجزرية والمناطق الساحلية مع هذه التحذيرات باعتبارها قضية وجودية،
وهو ما ظهر في موقف رئيس بالاو سورانجل ويبس الابن، الذي وصف التقرير بأنه يمثل لحظة مفصلية أمام العالم،
خصوصًا بالنسبة إلى المجتمعات الواقعة في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ.
وتعكس هذه المواقف حجم الفجوة بين الدول التي تواجه آثار ارتفاع مستوى البحار بصورة مباشرة،
وبين قدرة المجتمع الدولي على خفض الانبعاثات بالسرعة المطلوبة.
كما يرى ناشطون من جزر المحيط الهادئ أن الالتزام بمستوى 1.5 درجة ليس مجرد هدف سياسي،
بل يرتبط بالتزامات قانونية ومصالح مستقبلية للأجيال الجديدة.
وفي ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة، قد تواجه بعض المجتمعات خلال العقود المقبلة ضغوطًا متزايدة لتغيير أنماط معيشتها أو نقل بعض السكان من المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر،
وهو ما يجعل التكيف المناخي قضية تتجاوز البيئة إلى الأمن والاستقرار والتنمية.
ما الذي يعنيه التقرير للعالم؟ والسيناريوهات المقبلة
المغزى الأهم للتحذير الأممي هو أن العالم لم يعد أمام خيار تجنب كل آثار الاحترار،
وإنما أمام سباق لتقليل حجم التجاوز ومدته والحد من الأضرار التي يمكن تفاديها.
ويشير التقرير إلى أن السياسات الوطنية الحالية قد تقود إلى ارتفاع في درجات الحرارة لا يقل عن 2.3 درجة مئوية،
بينما يمكن إبقاء الاحترار دون درجتين إذا نفذت الدول تعهداتها المتعلقة بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول منتصف القرن.
ويحتاج السيناريو الأكثر تفاؤلًا إلى خفض الانبعاثات العالمية إلى النصف بحلول عام 2035 تقريبًا،
وهو هدف يتطلب تحولًا سريعًا في أنظمة الطاقة والصناعة والنقل والزراعة،
بالتزامن مع استثمارات واسعة في التكيف وحماية البنية التحتية.
أما السيناريو الأكثر خطورة فيتمثل في استمرار السياسات الحالية،
بما قد يقود إلى احترار أكبر وخسائر اقتصادية وبيئية أوسع،
في حين يبقى السيناريو الأكثر واقعية مرتبطًا بقدرة الحكومات على الجمع بين خفض الانبعاثات وإزالة الكربون والتكيف السريع.
كارثة نيبال تكشف شكل المخاطر القادمة
يربط أحد مؤلفي التقرير، البروفيسور ريتشارد بيتس،
بين التحذيرات المناخية والكوارث المرتبطة بانهيار الصخور والجليد والفيضانات التي شهدتها مناطق في نيبال والصين،
معتبرًا أن هذه الأحداث توضح لماذا أصبح الحد من تجاوز درجات الحرارة أمرًا ضروريًا.
ولا يعني ذلك أن كل كارثة مناخية يمكن إرجاعها إلى عامل واحد، إذ تتداخل فيها عوامل جغرافية وجيولوجية ومناخية معقدة،
لكن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من الضغوط الواقعة على الأنهار الجليدية والأنظمة الطبيعية الحساسة.
ويؤكد التقرير أن تقليص الانبعاثات لن يمنع جميع الظواهر المتطرفة،
لكنه يمكن أن يحد من تفاقمها ويقلل حجم الخسائر المستقبلية.
ومن هنا، فإن المعركة المناخية المقبلة لن تقتصر على منع ارتفاع درجات الحرارة،
بل ستشمل أيضًا حماية المدن والبنية التحتية ومصادر المياه والغذاء،
وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع عالم أصبح بالفعل أكثر حرارة وأشد تعرضًا للاضطرابات المناخية.



