التصوير داخل المدرسة… فلننظر إلى الطالب بعين الإصلاح، وإلى الواقعة بعين التقييم

لا يختلف اثنان على أن الحفاظ على كرامة المعلم وهيبته، وصون حرمة المدرسة، واحترام خصوصية جميع من بداخلها، أمور لا تقبل الجدل. كما أن استخدام الهاتف المحمول لتصوير المعلمين أو الزملاء بهدف السخرية أو التنمر أو التشهير أو صناعة محتوى يحقق الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، يمثل سلوكًا مرفوضًا يستوجب الحزم.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم توجيهات وزارة التربية والتعليم بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل على الطالب الذي يقوم بتصوير المعلم داخل المدرسة بقصد الإساءة أو التنمر أو نشر المحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي. فهذه الرسالة تؤكد أن المدرسة ليست ساحة مفتوحة للتصوير دون ضوابط، وأن احترام المعلم جزء أصيل من احترام المؤسسة التعليمية نفسها، كما أن تنظيم استخدام الهواتف داخل المدارس يسهم في منع تحويل المواقف التربوية إلى محتوى للترند بدلًا من أن تبقى في إطارها التعليمي.
لكن، وفي المقابل، تظل هناك مساحة تستحق التوقف والتأمل. فهل كل عملية تصوير يقوم بها طالب تحمل المعنى نفسه؟ وهل ينبغي أن تكون العقوبة واحدة مهما اختلفت الدوافع والظروف والنتائج؟
قبل إصدار الحكم، ربما يكون من الضروري أن نسأل: ماذا صوّر الطالب؟ ولماذا قام بالتصوير؟ وهل احتفظ بالمقطع أم نشره؟ وإلى أين وصلت المادة المصورة؟ وهل كان الهدف منها الإساءة والتشهير، أم توثيق واقعة اعتقد الطالب أنها تستحق الإبلاغ؟
قد يكون الطالب مخطئًا في وسيلة التعبير، لكنه لم يقصد الإساءة. وقد يكون رأى أنه تعرض لموقف غير لائق، أو شاهد تصرفًا اعتبره تجاوزًا، فلجأ إلى التصوير لإثبات ما حدث. هنا يصبح من المهم التمييز بين التصوير بقصد التشهير، والتصوير بقصد التوثيق والإبلاغ، لأن الدافع في الحالتين مختلف، ومن الطبيعي ألا تكون المعالجة واحدة.
والسؤال التربوي الأهم: ماذا نضيف للطالب إذا اكتفينا بالعقاب؟ وهل الهدف من التربية هو العقوبة فقط، أم تقويم السلوك وبناء الوعي؟
نحن نريد طالبًا يتعلم من خطئه، لا طالبًا يفقد عامًا كاملًا من حياته الدراسية ثم نأمل بعد ذلك أن يكون قد تغير. فالفصل لمدة عام ليس قرارًا بسيطًا، بل يترك آثارًا تعليمية ونفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات، ولذلك فإن تطبيقه ينبغي أن يسبقه تحقيق دقيق يوضح حقيقة ما جرى، ويستمع إلى جميع الأطراف، ويكشف ملابسات الواقعة كاملة قبل إصدار أي قرار.
وإذا ثبت أن الطالب ارتكب فعلًا يستحق العقاب، فلماذا لا تقترن العقوبة ببرنامج لتعديل السلوك، والتوعية بالاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وغرس قيم احترام الخصوصية، وخطورة التنمر والتشهير، حتى تتحول العقوبة إلى فرصة للتعلم والإصلاح، لا مجرد وسيلة للردع؟
إن الدفاع عن كرامة المعلم لا يتعارض مع حماية حقوق الطالب، بل إن المنظومة التعليمية الناجحة هي التي تحقق التوازن بين الطرفين، فتفرض الانضباط، وتحفظ الكرامة، وتحقق العدالة في الوقت نفسه.
ولا شك أن وزارة التربية والتعليم تسعى إلى إعادة الانضباط داخل المدارس، وصون مكانة المعلم، والحفاظ على حرمة المؤسسة التعليمية، وهي أهداف تحظى بالتقدير والدعم. لكن، في المقابل، يبقى من الضروري أن ننظر إلى كل واقعة على حدة، وأن نتعامل معها بعين التقييم لا بعين التعميم.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: هل صوّر الطالب؟
بل: ماذا صوّر؟ ولماذا صوّر؟ وماذا فعل بالمادة المصورة بعد ذلك؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تكشف الفارق بين طالب تعمد الإساءة، وآخر أخطأ في وسيلة التعبير، وثالث حاول توثيق واقعة ظن أنها تستحق التحقيق.
فالانضباط الحقيقي لا يحمي المعلم وحده، ولا يعاقب الطالب وحده، وإنما يحقق العدالة للجميع، ويجعل المدرسة بيئة تصون كرامة المعلم، وتحفظ حقوق الطالب، وتحترم خصوصية كل من ينتمي إليها.



