توتر عند بوابة المتوسط.. هل تدفع المغرب بأزمة سبتة إلى صراع أوسع على ممرات الملاحة؟
أزمة سبتة أعادت التوتر بين المغرب وإسبانيا إلى الواجهة بعد موجة عبور جماعي غير مسبوقة في يوليو 2026. لكن تداعيات الأزمة تتجاوز ملف الهجرة، لتلامس حسابات الأمن والنفوذ حول مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية بين الأطلسي والبحر المتوسط.
أزمة سبتة تعيد الخلاف المغربي الإسباني
شهدت سبتة أواخر يوليو موجة عبور ضخمة من المغرب، بعدما وصل عشرات الآلاف إلى الجيب الإسباني برًا وبحرًا.
وقدرت السلطات الإسبانية عدد العابرين بنحو 49 ألف شخص خلال 24 ساعة في ذروة الأزمة. كما تحدثت تقارير لاحقة عن أعداد تجاوزت 60 ألفًا خلال أيام.
وأدى التدفق المفاجئ إلى نشر وحدات عسكرية إسبانية وتعزيز قوات الشرطة على الحدود.
في المقابل، عادت أعداد كبيرة من المهاجرين إلى المغرب بعد تشديد الإجراءات الحدودية الإسبانية.
لماذا تمثل سبتة نقطة حساسة؟
تتمتع سبتة بموقع جغرافي استثنائي على الساحل الشمالي لأفريقيا، قرب المدخل الغربي للبحر المتوسط.
كما أن المدينة تقع ضمن منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للمغرب وإسبانيا. فالرباط تطالب منذ سنوات بالسيادة على سبتة ومليلية، بينما تعتبر مدريد المدينتين جزءًا من أراضيها.
لذلك، فإن أي أزمة كبيرة حول سبتة تحمل أبعادًا تتجاوز الهجرة، خصوصًا عندما تتزامن مع منافسة دولية متزايدة على النفوذ في شمال أفريقيا.
مضيق جبل طارق في قلب الحسابات
تزداد أهمية الأزمة بسبب قرب سبتة من مضيق جبل طارق.
ويمثل المضيق نقطة اتصال بحرية رئيسية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، كما تمر عبره حركة تجارية وبحرية مهمة بين أوروبا وشمال أفريقيا.
ومن ناحية أخرى، يكتسب المغرب أهمية إضافية بسبب موقعه على الواجهة الأطلسية والمتوسطية.
لذلك، فإن استقرار العلاقات المغربية الإسبانية يخدم مصالح تجارية وأمنية تتجاوز البلدين.
هل يمكن أن تتحول أزمة سبتة إلى صراع أوسع؟
لا توجد مؤشرات حاليًا على أن المغرب يتجه إلى مواجهة عسكرية حول سبتة.
لكن الأزمة كشفت هشاشة الحدود الأوروبية في شمال أفريقيا، كما أظهرت قدرة ملف الهجرة على خلق ضغط سياسي سريع.
وقد اتهم مسؤولون في سبتة المغرب بالسماح بتدفق المهاجرين، بينما دافعت الرباط عن تعاونها في احتواء الأزمة. كما ظهرت اتهامات سياسية مختلفة بشأن أسباب الانفجار المفاجئ للأعداد.
لذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا هو استمرار الضغط السياسي والدبلوماسي، وليس الانتقال إلى مواجهة عسكرية.
الهجرة تتحول إلى ورقة نفوذ
تكشف أزمة سبتة كذلك أهمية الهجرة في العلاقات بين المغرب وأوروبا.
فالمغرب يمثل شريكًا رئيسيًا لأوروبا في مكافحة الهجرة غير النظامية، بينما تعتمد إسبانيا بدرجة كبيرة على التعاون مع الرباط لحماية حدودها الجنوبية.
وفي الوقت نفسه، قد تؤدي أي أزمة حدودية كبيرة إلى ضغوط أوروبية على مدريد والرباط معًا.
وقد ظهرت بالفعل تداعيات سياسية داخل إسبانيا، إذ أثارت الأزمة نقاشًا حول استضافة المغرب لكأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
من الهجرة إلى أمن الملاحة
لا يعني ذلك أن أزمة سبتة تهدد الملاحة في مضيق جبل طارق مباشرة.
لكن التوتر حول المدينة يأتي في وقت تواجه فيه ممرات بحرية أخرى أزمات متزامنة.
فمضيق هرمز يواجه توترات مرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي، بينما يعاني باب المندب من تهديدات أمنية متكررة.
كما أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى زيادة المخاطر على الملاحة في البحر الأسود.
نتيجة لذلك، أصبح أمن الممرات البحرية قضية استراتيجية متزايدة الأهمية بالنسبة للقوى الكبرى.
المغرب بين أوروبا والقوى الدولية
يحظى المغرب بموقع مهم في الحسابات الأمريكية والأوروبية والصينية.
وتمنحه سواحله الأطلسية والمتوسطية موقعًا مؤثرًا في حركة التجارة والطاقة، بينما توفر علاقاته المتعددة خيارات دبلوماسية واقتصادية واسعة.
علاوة على ذلك، فإن قربه من أوروبا يجعله شريكًا مهمًا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
ومن ناحية أخرى، قد تجعل المنافسة الدولية على شمال أفريقيا أي أزمة مغربية إسبانية أكثر حساسية من السابق.
اقرأ أيضاً
مسيرات أوكرانية تضرب مخازن «وايلدبيرييز» في روسيا..كييف تنقل الحرب إلى قلب روسيا



